ابن حمدون

355

التذكرة الحمدونية

صغير ؛ قال اللَّه تعالى : * ( ( إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَا لله أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ الله كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) ) * ( النساء : 135 ) [ 1 ] . وأمره إذا ترافع إليه متحاكمان ، وتنازع إليه متخاصمان ، أن يطلب الحكم بينهما في نصّ الكتاب ، فان عدمه هناك التمسه من سنّة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم ، فان فقده من السنة القويمة ، والآثار الصحيحة السليمة ، ابتغاه في إجماع المسلمين ، فإن لم يجد فيه إجماعا اجتهد وحكم في الحادثة أشبه الأحكام بالأصول عنده ، بعد أن يبلغ غاية الوسع في التحرّي ، ويستنفد الطاقة في النظر والتقصّى ، فإنه من أخذ بالكتاب اهتدى ، ومن اتبع السنة نجا ، ومن تمسّك بالإجماع سلم ، ومن اجتهد رأيه أعذر . واللَّه يقول الحقّ وهو يهدي السّبيل . وأمره بالتثبت [ 2 ] في الحدود ، والاستظهار فيها بتعديل الشهود [ 3 ] ، وأن يحترس من عجل يرهق [ 4 ] الحكم عن الموقع الصحيح ، أو ريث يرجئه عن الوضوح حتى يقف عند الاشتباه ، ويمضي لدى الاتجاه ، ويقوم بالبينات ، ويدرأ الشّبهات ، ولا تستخفّه عجلة إلى بريء ، ولا تأخذه رأفة بمسيء ، فان اللَّه عزّ وجلّ سمّى هذا الضرب من الأحكام حدودا تشددا [ 5 ] فيه ، وإكبارا لتعدّيه ، وجعله من معالم الحكم ، ونسب من يجاوزه إلى الظلم ، فقال تعالى : * ( ( ومَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) * ( البقرة : 229 ) . وأمره بتصفّح أحوال من يشهد عنده فيقبل منهم من ظهرت منه العدالة ، وعرفت منه الأصالة ، وكان ورعا في دينه ، حصيفا في عقله ، ظاهر التيقّظ والحذر ، بعيدا من السّهو والزلل ، طيّبا بين الناس ذكره ، مشهورا فيهم ستره ،